الساعة التاسعة وبضع دقائق بتوقيت غرينتش من مساء يوم الخميس الموافق 21 يونيو حزيران عام ألفين وواحد .. في ميدافيل غربي العاصمة البريطانية لندن.. بالتحديد عند بناية “ستيوارت تاور” والتي اشتهرت خلال السنوات الأخيرة بأنها “برج الانتحار” لما شهدته من حوادث انتحار عديدة
ليل لندن الكئيب يخيم على المكان..أنوار قليلة مضاءة في البناية الشهيرة من بينها ذلك الضوء المنبعث من شقة بالطابق السادس .. الهدوء يلف الأرجاء وكأنه ينذر بوقوع شيء ما
في هذه الأثناء شاهد صبي مغربي الجنسية في السادسة من العمر يسكن في العمارة المقابلة لبناية “ستيوارت تاور” شخصا ما يسقط من شرفة الشقة رقم (6A) بالطابق السادس
يجري الصبي الصغير - ويدعى أحمد- مذعورا يلوذ بأحضان أمه ويحكي لهاعما شاهده منذ لحظة فتسرع الأم إلى الهاتف وتتصل بالشرطة الانجليزية مؤكدة رواية ابنها الصغير
لحظات ويصل رجال الشرطة إلى مكان الحادث وبالفعل يعثرون على جثة سيدة في نهاية عقدها السادس ملقاة على أرض الشارع
وقبل أن يبدأ رجال الشرطة عملهم في جمع التحريات حول الحادث تصل سيدة أخرى تدعى نادية يسري إلى المكان..وبعد قليل تصرخ وهي في حالة انهيار: سعاد..سعاد

بعد قليل اكتشفت الشرطة البريطانية أن الجثة هي لفنانة عربية شهيرة اسمها: سعاد حسني
تم نقل الجثة إلى مشرحة مستشفى وستمنستر للكشف عليها وبيان ما بها من إصابات.. وأجرى رجال الشرطة البريطانية تحقيقات سريعة حول ملابسات الحادث وتم التحفظ على الجثة وإبلاغ السفارة المصرية بالحادث
وظهر يوم الجمعة الموافق 22 يونيو طار الخبر إلى الناس.. قطع التليفزيون المصري برامجه وأعلن للملايين من عشاق سندريلا الشاشة العربية أن فنانتهم المحبوبة قد ماتت في لندن..ولم تجرؤ سوى صحيفة واحدة هي “الوفد” على نشر العنوان الصادم: انتحار سعاد حسني في لندن
صرح البوليس البريطاني بالإفراج عن جثمان سعاد حسني بعد إحالة القضية إلى محكمة وستمنستر لقول الكلمة النهائية.. وسافر عز الدين شقيق الفنانة الراحلة بصحبة ابنه أحمد إلى لندن لإعادة جثمان السندريلا إلى القاهرة. وكان موعد الوصول إلى مطار القاهرة بتاريخ الخميس الموافق 28 يونيو حزيران 2001 حيث استقبل الفنانون نادية يسري بالاستهجان واندفع بعضهم نحوها ووجهوا لها اتهاما بأنها وراء قتل سعاد حسني أو أنها على أقل تقدير تعرف من وراء الجريمة
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد وإنما قدم عدد من الفنانين والفنانات ومعهم شقيق سعاد حسني بلاغا لنيابة النزهة يتهمون فيه نادية يسري بإخفاء معلومات عن حادث موت السندريلا. وبدأت نيابة النزهة التحقيق في البلاغ واستدعت نادية يسري لسؤالها فيما هو منسوب اليها..لكن نادية أكدت أن سعاد حسني انتحرت، وقررت نادية أن هؤلاء الذين يذرفون الدموع علي رحيل سعاد هم أول من تخلوا عنها في محنة مرضها وغربتها
أخلت النيابة سبيل نادية يسري بلا ضمان، في حين كان الآلاف من عشاق السندريلا يودعونها في جنازة مهيبة
ولم يكن مواراة جثمان سعاد حسني التراب يعني نهاية الحكاية.. بل على العكس، ظل لغز موتها يحير الجميع.. الكل يحاول جاهدا معرفة الحقيقة الغائبة.. ويحاول الإجابة عن السؤال: كيف ماتت سعاد حسني؟
البوليس البريطاني أعلن بعد اطلاعه على تقرير الطبيب الشرعي أن سعاد قد سقطت من الشرفة، وحلل البعض ذلك بأنها فقدت توازنها بسبب زيادة وزنها أو العقاقير. وأعلنت محكمة الأدلة الجنائية البريطانية إقفال قضية وفاة سعاد، إذ أكدت التحقيقات وخلصت إلى نتيجة مفادها أن “الوفاة وقعت بسبب حادث انتحار”
وقبل أن يفيق عشاق سعاد حسني من صدمتهم راح الكثيرون يرسمون السيناريو تلو الآخر لحادث موت السندريلا.. هناك من رأى أن سعاد حسني انتحرت بعد يأسها من الشفاء، وإصابتها باكتئاب بعد ما نشرته عنها الصحف المصرية بأنها فقدت جمالها ورونقها وأصبحت تعيش حياة بائسة في الغربة
لقد بكت سعاد كثيرا عندما قرأت المقال الذي كتبته عنها الصحفية مديحة عزت في مجلة “روز اليوسف” وقالت فيه إن سعاد حسني ليس بها أي مرض عضوي، لكن بعد زيادة وزنها إلى 100 كيلوغرام وتدهور حالتها النفسية أصبحت غير مسؤولة عن تصرفاتها..امرأة ضائعة، تأكل بطريقة غير حضارية، حتى أن صاحبة البيت التي دعتها لم تتحمل استضافتها.. كما أنها تتسول الحياة بعد أن ينفد المبلغ الذي يقدمه لها أحد أمراء الدول الشقيقة، وتأكل من صفائح القمامة في شوارع لندن
وسيرة الفنانة سعاد حسني توحي بأنها دخلت في أزمة مع صورتها في المرآة، فهي ترفض الاعتراف بمتغيرات الزمن، وهذه الأزمة النفسية يعرفها المشتغلون بعلم النفس والطب النفسي، فلم يكن سهلا على “السندريلا” تقبل واقعها الجديد، وقد تكالب عليها المرض والغربة وضيق ذات الي
غير أن آخرين رأوا أن بطلة فيلم “خلي بالك من زوزو” بمرحها المعتاد لا يمكن أن تكون انتحرت، ورجحوا أن يكون توازنها اختل فسقطت من شرفة الشقة ولقيت مصرعها..وكان أصحاب هذا الرأي ممن يدعون أنهم على مقربة من سعاد ويعرفون كم هي محبة للحياة ولا يمكن لها أن تفكر في وضع نهايتها بيدها
وكان هناك رأي ثالث يرفض الرأيين السابقين ويؤكد أن سندريلا الشاشة العربية لم تنتحر ولم يختل توازنها وسقطت من الشرفة، وإنما تعرضت لجريمة مدبرة للتخلص منها بإلقائها من شرفة الشقة. وراح أصحاب هذا الرأي إلى ماهو أبعد من ذلك ، من أن صديقتها نادية يسري تعرف تفاصيل المؤامرة وشاركت فيها

حضرت سعاد إلى لندن بتاريخ الأربعاء 16 يوليو تموز 1997 وكانت تعاني من مرض الاكتئاب منذ أكثر من 15 عاما لأسباب متعددة، منها عدم نجاح آخر فيلمين لها هما “الدرجة الثالثة” و”الراعي والنساء“.. وقبلها فقدت صلاح جاهين الأب الروحي لها لحرمانها من حنان الأب محمد حسني البابا (وهو ابن المطرب السوري حسني البابا، وشقيقه الممثل الكوميدي أنور البابا الذي اشتهر في الإذاعة اللبنانية باسم شخصية نسائية وهو شخصية “أم كامل”) . فإذا كان عبدالرحمن الخ