أخوكم سعيد يتمنى لكم أطيب الأوقات من خلال مدونة



العالم 25

قادمون إليك يا أقصى إنشاء الله


http://www.alshamsi.net/a/eiman/eiman.jpg


 

حرب 6 أكتوبر 1973 كما رواها بعض من عاشها 3/4

كتبهاسعيد ، في 7 أكتوبر 2008 الساعة: 00:43 ص

حرب 6 أكتوبر 1973 كما رواها بعض من عاشها 3/4

قبل 6 أكتوبر كثر الحديث عن قوة خط بارليف وفي اواخر الحرب كثرت الدعاية الإسرائيلية حول تحقيق انتصار في نهايتها فيما عرف بالثغرة ، إلا أن كل هذا لم يكن سوى أكاذيب إسرائيلية سقطت على أرض الواقع .
  
خط بارليف
بعد عام 1967 ، أقام العدو الإسرائيلي ساترًا ترابيًا عاليًا على الضفة الشرقية لقناة السويس وأقام عليه عدة نقاط حصينة وأطلق على هذا الخط الدفاعي خط بارليف نسبة للقائد الإسرائيلي الذى اقترح بناءه وهو حاييم بارليف رئيس الأركان الإسرائيلي فى هذا الوقت.
لقد أنشىء خط بارليف لمنع أى عبور مصرى لقناة السويس ، وبلغت تكاليفه حوالي 200 مليون دولار في ذلك الوقت .
وفى وصف دقيق لخط بارليف ، قال حمدى الكنيسى المراسل الحربى المصرى خلال حرب أكتوبر 1973 فى كتابه (الطوفان) : هو أقوى خط دفاعى فى التاريخ الحديث كان يبدأ من قناة السويس وحتى عمق 12 كم داخل شبه جزيرة سيناء ، وكان يتكون من الخط الأول والرئيسى على امتداد الضفة الشرقية لقناة السويس وبعده على مسافة 3 - 5 كم كان هناك الخط الثانى ويتكون من تجهيزات هندسية ومرابض للدبابات والمدفعية ثم يجىء بعد ذلك وعلى مسافة من  10 - 12 كم الخط الثالث الموازى للخطين الأول والثانى وكان به تجهيزات هندسية أخرى وتحتله احتياطيات من المدرعات ووحدات مدفعية ميكانيكية ، وكل هذه الخطوط بطول 170 كم على طول قناة السويس.

وضم خط بارليف 22 موقعا دفاعيا و26 نقطة حصينة بنيت في جسم الساتر الترابي وتميزت عن غيرها من جهة مواد البناء الداخلة في تكوينها من خرسانة أسمنتية وحديد مسلح من ذلك النوع الذي يستخدم في صناعة قضبان السكك الحديدية للوقاية ضد كل أعمال القصف وكذلك فإن أنظمة التسلح فى تلك النقاط الحصينة كانت فوق العادة من مدافع الهاوتزر عيار185 مم ومرابض للدبابات وقاذفات للقنابل كما كانت تضم مفاتيح مصممة بحيث تحول القناة إلي جحيم وذلك بسكب كميات هائلة من المواد المشتعلة فوق سطح القناة .

وبالإضافة إلى ماسبق فإن كل نقطة حصينة كانت تضم 26 دشمة للرشاشات ، 24ملجأ للأفراد ، بالإضافة إلي مجموعة من الدشم الخاصة بالاسلحة المضادة للدبابات ومرابض للدبابات والهاونات ، 15 نطاقا من الأسلاك الشائكة وحقول الألغام .

وكل نقطة حصينة عبارة أيضا عن منشأة هندسية معقدة وتتكون من عدة طوابق وتغوص في باطن الأرض ومساحتها تبلغ 4000 متراً مربعا وزودت كل نقطة بعدد من الملاجئ والدشم التي تتحمل القصف الجوي وضرب المدفعية الثقيلة ، وكل دشمة لها عدة فتحات لأسلحة المدفعية والدبابات ، وتتصل الدشم ببعضها البعض عن طريق خنادق عميقة ، وكل نقطة مجهزة بمايمكنها من تحقيق الدفاع الدائري إذا ما سقط أي جزء من الأجزاء المجاورة ، ويتصل كل موقع بالمواقع الأخري سلكيا ولاسلكيا بالإضافة إلى اتصاله بالقيادات المحلية مع ربط الخطوط التليفونية بشبكة الخطوط المدنية في إسرائيل ليستطيع الجندي الإسرائيلي فى خط بارليف محادثة منزله في إسرائيل .

وبسبب كل ما سبق ، لم يكن يخطر ببال قادة إسرائيل أن العرب يمكنهم تدمير هذا الخط الحصين، بل إن بعض الخبراء العسكريين الغربيين بعد دراستهم لتحصينات خط بارليف والمانع المائي الذي أمامه وهو قناة السويس ، قالوا: إنه لا يمكن تدميره إلا إذا استخدمت القنبلة الذرية .

إلا أن الإيمان بالله والرغبة القوية فى دحر الاحتلال كانا لهما رأى آخر حيث تغلبت القوات المسلحة المصرية على الساتر الترابي المرتفع الذي كان يعتمد عليه خط بارليف بفكرة بسيطة وهي استخدام تيار مائي قوي بواسطة طلمبات ميكانيكية لتجريف الرمال وفتح الثغرات في الحائط الترابي ، وتلك الفكرة كان المهندسون المصريون قد استخدموها من قبل في بناء السد العالي .
تصريحات قادة إسرائيل حول خط بارليف
قال موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي في ديسمبر عام 1969 : لن تنال عمليات العبور المصرية - إن حدثت - من قبضة إسرائيل المحكمة على خط بارليف ، لأن الاستحكامات الإسرائيلية على الخط أشد منعة وأكثر تنظيمًا ويمكن القول إنه خط منيع يستحيل اختراقه، وإننا الأقوياء إلى حد نستطيع معه الاحتفاظ به إلى الأبد.
وفي 10 أغسطس 1973 تحدث ديان في كلية الأركان الإسرائيلية ، قائلا : إن خطوطنا المنيعة أصبحت الصخرة التي سوف تتحطم عليها عظام المصريين، وإذا حاولت مصر عبور القناة فسوف تتم إبادة مابقي من قواتها .

وفي السياق ذاته ، قال رئيس الأركان دافيد بن إليعازر: إن خط بارليف سيكون مقبرة للجيش المصري .

إلا أنه بعد العبور العظيم في 6 أكتوبر ، وقف قادة إسرائيل في ذهول بعد أن دمر هذا الخط الدفاعي خلال ساعات وتبرأ موشى ديان منه : إن هذا الخط كان كقطعة الجبن الهشة .

ومن جانبها ، وصفت وكالة اليونايتد برس سقوط خط بارليف الحصين بأنه أسوأ نكسة عسكرية أصيبت بها إسرائيل فى تاريخها ،
وأضافت الوكالة قائلة : إن الجنود الإسرائيليين الذين أقاموا وراء خط بارليف كانوا يقولون دائما انهم يشعرون باطمئنان تام وأنهم آمنون وراء حصن لا يمكن اقتحامه وفي 6 اكتوبر أصبح هذا الحصن فى أيدى المصريين .
كما علقت صحيفة انا بيللا الايطالية على سقوط خط بارليف قائلة :

لقد فر الجنود الإسرائيليون من خط بارليف وهم يلتقطون أنفاسهم وقد علت القذارة ابدانهم وشحبت وجوههم ، فرت فلولهم من الجحيم الذي فتحه عليهم الهجوم المصري الكاسح .

الثغرة 

نتيجة للخسائر الفادحة التى تكبدتها إسرائيل فى المعدات والأفراد وتحت الضغط السياسى والعسكرى والاستراتيجى وبعد أن مدت أمريكا إليها جسرا جويا ضخما ، قام الجيش الإسرائيلى فى 17 أكتوبر بعمل معبر على قناة السويس بمنطقة الدفرسوار وعبرت منها ثلاث فرق مدرعة بقيادة كل من إرييل شارون وابراهام ادان وكلمان ماجن للجانب الغربى من القناة تحت قصف شديد من مدفعية الجيش الثانى المصرى بقيادة عميد عبد الحليم أبو غزالة ، فيما عرف بالثغرة والتى أحاطتها إسرائيل بأضخم دعاية ممكنة لحجب حجم وقيمة الخسائر التى منيت بها.

وهناك تقارير تحدثت عن حدوث خلافات بين القيادة السياسة والقيادة العسكرية وداخل القيادة العسكرية المصرية نفسها حول كيفية التعامل مع تلك الثغرة ، فالرئيس السادات قال في هذا الوقت إنه كان يملك تفوقا عسكريا لتصفية الثغرة إلا أنه سمع تهديدا من كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي قال خلاله إن الولايات المتحدة الأمريكية لن تسمح بهزيمة إسرائيل ، ما معناه الدخول في مواجهة مباشرة مع الأمريكان .

كما أن وزير الحربية الفريق أحمد إسماعيل كان يرى أنه من الأفضل ضرب ثغرة الاختراق الذى قامت به القوات الإسرائيلية من الشرق بمعنى سد الفتحة التى تتدفق منها المدرعات الإسرائيلية إلى غرب القناة، والفريق سعد الشاذلى رئيس الأركان كان يرى أن قطع الثغرة عن سيناء من الغرب أكثر فاعلية ولكن ذلك يقتضى سحب الفرقة المدرعة الرابعة من سيناء إلى غرب القناة لتقوم بهذه المهمة .

وعلق الكاتب الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل فى أحد تصريحاته على هذا الخلاف قائلا : أدى الخلاف بين الرجلين إلى موقف شديد الحرج لبقية القادة من هيئة أركان الحرب: وكان الأمر يحتاج إلى حكم أعلى منهما. وهكذا كان وصول الرئيس السادات فى اللحظة المناسبة تماما. وبدأ كلاهما يعرض وجهة نظره أمام الرئيس. وكان الفريق أحمد اسماعيل هو الأكثر رجاحة فى هذه اللحظة لأى مراقب ينظر للموقف نظرة شاملة: فالقائد العام لم يكن ينظر للموضوع من وجهة نظر العمليات فقط، وإنما كانت نظرته أشمل، وقد قال بوضوح إنه إذا بدأ سحب قوات الفرقة المدرعة إلى غرب القناة فى هذه الساعات، فإن القوات كلها فى الشرق سوف تشعر بحركتها، وقد تتصور خصوصا مع انتشار أخبار الثغرة أن تلك مقدمة لانسحاب عام يقوم به الجيش المصرى من الشرق. وبالتالى فإن هذه القوات سوف تبدأ راضية أو كارهة - فى التأثر بعقلية الانسحاب، وهذا قد يعيد إليها أجواء سنة 1967
.
واستطرد محمد حسنين هيكل يقول : كان الفريق أحمد اسماعيل على حق ففى تلك اللحظات، وبصرف النظر عن أية آراء سابقة، فإن الاعتبارات النفسية للقوات كان لابد أن يكون لها الغلبة فى أى حساب تخطيط لطريقة مواجهة الثغرة، وكان منطقيا أن ينحاز الرئيس السادات إلى صف الفريق أحمد اسماعيل، لكنه من تأثير الضغوط الواقعة عليه ترك انحيازه يتحول إلى إهانة لرئيس الأركان، فقد ثار ثورة عارمة، وفقد أعصابه وأخذ يصرخ بعصبية قائلا: إنه لا يريد أن يسمع من الشاذلى هذه الاقتراحات مرة ثانية، وإذا سمعها فسوف يقدمه إلى مجلس عسكرى لمحاكمته وهى واقعة ذكرها الفريق سعد الدين الشاذلى فى مذكراته . 
  
ورغم ما سبق ، فإن الحقيقة المؤكدة بحسب المراقبين هى أن نتائج أى حرب تقاس فى مضمونها العام بما أسفرت عنه من متغيرات شاملة وليس بحساب المكاسب والخسائر التكتيكية المحدودة على هذا الجانب أو ذلك والتى هى شىء طبيعى فى أى عملية عسكرية .
ولذا فإن عملية الدفرسوار لم تكن لها تأثير يذكر على سير المعارك وإنما استخدمتها إسرائيل كمبرر للانتقاص من حجم وقيمة الإنجاز العسكرى العربى ، فالمؤرخ العسكري البريطاني ادجار اوبلانس وصف ثغرة الدفرسوار غرب قناة السويس بأنها معركه تليفزيونية.

وما يؤكد ما سبق هو تصريح لرئيس الأركان الإسرائيلى الأسبق دافيد بن اليعازر فى 3 ديسمبر 1973 قال فيه : ما زال شارون يواصل تصريحاته غير المسئولة للصحفيين محاولا أن ينتقص من جميع القادة ليظهر هو فى صورة البطل الوحيد ، هذا بالرغم من أنه يعلم جيدا أن عبورنا إلى الجانب الغربى من القناة كلفنا خسائر فادحة ، ومع ذلك فإننا لم نستطع طوال عشرة أيام من القتال أن نخضع أى جيش من الجيوش المصرية ، فالجيش الثانى صمد ومنعنا نهائيا من الوصول إلى مدينة الإسماعيلية ، وبالنسبة للجيش الثالث فإنه ـ برغم حصارنا له ـ فإنه قاوم بل تقدم واحتل بالفعل رقعة أوسع من الأراضى شرقا ، ومن ثم فإننا لا نستطيع أن نقول إننا هزمناه ..أو أخضعناه .

وفي مذكراته عن حرب أكتوبر قال الفريق سعد الدين الشاذلى : كان هدف عبور الجيش الإسرائيلى من الشرق (سيناء) إلى الغرب هو .. ضرب بطاريات صواريخ سام المضادة للطائرات ، احتلال مدينة الاسماعيلية وتطويق الجيش الثانى بواسطة قوات شارون، احتلال مدينة السويس وتطويق الجيش الثالث بواسطة قوات كل من ابراهام ادان وكلمان ماجن.

وأضاف ولكن الذى حدث هو فشل شارون فى احتلال مدينة الاسماعيلية ، فشل كل من ادان وماجن أيضا فى تطويق الجيش الثالث المصرى واحتلال مدينة السويس.

وفى ضوء ما سبق ، يتضح أن الثغرة ليست نجاحا لإسرائيل وإنما هى تأكيد للفشل الذى منيت به فى الحرب ولولا الجسر الجوى الأمريكى لما حدثت من الأساس.

عملية نيكل جراس

فمعروف أنه تحت وطأة الهجمات المصرية والسورية خلال الحرب ، صرخت جولدا مائير أنقذوا إسرائيل وسارعت الولايات المتحدة إلى مد يد العون لإسرائيل وأقامت جسرا جويا لتعويض الجيش الإسرائيلى عما خسره فى الحرب من طائرات ودبابات منذ يوم 10 أكتوبر بصورة غير رسمية ومنذ 13 أكتوبر بصورة رسمية .

تلك العملية سميت ب نيكل جراس واستخدمت فيها طائرات سى 5 و سى 141 وهى طائرات نقل عسكرية أمريكية عملاقة ، وقال عنها الفريق محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة عمليات حرب أكتوبر 1973 فى مذكراته : لم تكتف إسرائيل بطائرات الجامبو السبع لشركة العال لنقل احتياجاتها من الأسلحة والمعدات ، ولذلك عملت محاولات استئجار طائرات مدنية أمريكية لسرعة إجراء النقل ، لكن شركات الطيران رفضت التعاون معها خوفا من المقاطعة العربية واتجه التفكير إلى استخدام طائرات النقل العسكرية الأمريكية لنقل الأسلحة والمعدات وقد استمر الجسر الجوى الأمريكى مدة  33 يوما اعتبارا من 13 أكتوبر حتى 14 نوفمبر 1973 ، لقد كان لهذا الجسر أكبر الأثر فى إنقاذ إسرائيل من هزيمة ساحقة.

تصريحات المسئولين الإسرائيليين تؤكد أيضا الحقيقة السابقة ، ففى تصريح له في 10 أكتوبر 1973 ، قال دافيد بن اليعازر رئيس الأركان الإسرائيلى وصلت مساء أمس الطائرات التى أرسلتها الولايات المتحدة تعويضا عن جميع الطائرات التى سقطت لنا حتى الآن وقد وصلت من القواعد الأمريكية فى أوروبا وقد طبعت عليها إشارة سلاحنا الجوى ، ودخلت المعارك بعد لحظات معدودة .

وفي 13 أكتوبر ، قال بن اليعازر أيضا : استمرت عملية نيكل جراس بقيادة وإشراف أحد كبار المسئولين فى وزارة الدفاع الأمريكية وقد انطلقت الطائرات الضخمة من طراز سى 5 وسى 141 من القواعد العسكرية حيث تم تحميلها بالمعدات والأسلحة وأصبح هذا الجسر الجوى الأمل الوحيد لنا حتى نتماسك ونستعيد أنفاسنا . عدد من الأسرى الإسرائيليين

وفى كتابها حياتى ، قالت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت : إن وصول طائرات النقل الأمريكية سى 5 ناقلة العتداد والسلاح بصورة مستمرة أنقذ إسرائيل مما لم تحمد عقباه . وإننى أذكر أنه اتصلت يوم 7 أكتوبر بسفيرنا فى الولايات المتحدة مرة أخرى قال لى إننا فى الساعة الثالثة صباحا ولاأستطيع أن أوقظ أحدا من المسئولين الأمريكيين الآن ، فقلت له لا يهمنى كم تكون الساعة الآن ، إن الموت يأكل جنودنا وإن كل ساعة تأخير تكلفنا الكثير جدا أيقظهم جميعا اتصل بالدكتور كسينجر فورا ، وقد رد كيسنجر بأن الطائرات العملاقة من طراز سى 141 قد تلقت أمر الرئيس بنقل كل ما تطلبه جولدا مائير.

ورغم أن الجسر الجوى كان بمثابة طوق النجاة لإسرائيل ، إلا أنه لم ينل من قيمة الإنجاز الذى حققه العرب ولم يؤثر جذريا في تطور المعارك حتى الثغرة التى ساهم في حدوثها كان يمكن تصفيتها بسهولة من جانب القوات المصرية ، وأقوال الصحف والخبراء في الغرب تدعم مصداقية هذا الأمر .


ففى 12 أكتوبر 1973 ، علقت صحيفة ديلي تليجراف البريطانية على حرب أكتوبر ، قائلة : إن نظرية الحدود الآمنة التي تبنتها إسرائيل منذ إنشائها بغرض التوسع ، قد انهارت تماما ، وأنه لابد للعقلية العسكرية الإسرائيلية أن تتغير في ضوء حرب اكتوبر . إن أسطورة نفسية قد تحطمت هذه المرة ويجب علي إسرائيل منذ الآن أن تتخلي عن فكرة أن أمنها يتحقق بمجرد احتلال الأراضي .

وأضافت الصحيفة :” لقد غيرت حرب أكتوبر عندما اقتحم الجيش المصري قناة السويس  واجتاح خط بارليف مجري التاريخ بالنسبة لمصر وبالنسبة للشرق الأوسط بأسره”.


وفي نوفمبر 1973 ، قالت صحيفة التايمز البريطانية :” كانت الصورة التي قدمتها الصحافة العالمية للمقاتل العربي عقب حرب 67 هي صورة مليئة بالسلبيات وتعطي الانطباع باستحالة المواجهة العسكرية الناجحة من جانب العرب لقوة إسرائيل العسكرية ، إلا أن حرب أكتوبر أثبت أن للمقاتل العربي وجوده وقدراته”.


وفي السياق ذاته ، قالت صحيفة “واشطن بوست” الأمريكية : إن المصريين والسوريين أبدوا كفاءة عالية وتنظيما وشجاعة ، لقد حقق العرب نصرا ضخما تحطمت معه أوهام الإسرائيليين بأن العرب لايصلحون للحرب”.


أما بالنسبة لشهادات الخبراء الدوليين ، ففى ندوة عن حرب أكتوبر عقدت بالقاهرة في الفترة من 27-31 أكتوبر 1975 ، قال المؤرخ العسكري الأمريكي تريفور ديبوي رئيس مؤسسة هيرو للتقييم العلمي للمعارك التاريخية في واشنطن :” إنه نتيجة للقتال المشرف الذي خاضته الجيوش المصرية والسورية استرد العرب كبرياءهم وثقتهم في أنفسهم مما أدي إلي تدعيم النفوذ العربي علي الصعيد العالمي بشكل عام فليس هناك شك من الوجهة الاستراتيجية والسياسية في أن مصر قد كسبت الحرب “


واستطرد يقول :” إن كفاءة الاحتراف في التخطيط والأداء الذي تمت بها عملية العبور لم يكن ممكنا لأى جيش آخر في العالم أن يفعل ماهو أفضل منها ولقد كانت نتيجة هذا العمل الدقيق من جانب أركان الحرب ، وعلي الأخص عنصر المفاجأة التي تـم تحقيقها هو ذلك النجاح الملحوظ في عبور قناة السويس علي جبهة عريضة ، لقد فشلت المخابرات الإسرائيلية فشلا ذريعا حيث تركز نشاط المخابرات العسكرية علي النوايا المعادية بينما تـم تجاهل القدرات المعادية لأنها لم تكن في الحسبان وأدي الخطأ في حساب القدرات العربية إلي نظريات خاطئة حول النوايا العربية “.


وأضاف المؤرخ العسكري الأمريكي تريفور ديبوي أيضا :” لقد خاض المصريون الحرب البحرية في جوهرها بأسلوب استراتيجي وخاضها الإسرائيليون بأسلوب تكتيكي ، فرض المصريون حصارا ناجحا علي حركة الملاحة إلي ميناء ايلات وذلك بإغلاق مضيق باب المندب وفشلت أيضا محاولات إسرائيل لتدمير قواعد الطيران المصري في دلتا النيل فشلا ذريعا بفضل فاعلية الدفاع المصري ، حاول الإسرائيليون أيضا الاستيلاء علي مدينة السويس ولكن رغم أن دباباتهم توغلت إلي قلب المدينة فقد كانت المقاومة عنيفة جدا لدرجة أجبرتهم علي الانسحاب بعد أن اصيبوا بخسائر كبيرة “.


وفي الندوة ذاتها ، قال الجنرال فارار هوكلي مدير تطوير القتال في الجيش البريطاني أيضا :” إن الدروس المستفادة من حرب أكتوبر تتعلق بالرجال وقدراتهم أكثر مما تتعلق بالآلات التي يقومون بتشغيلها فالإنجاز الهائل الذي حققه المصريون هو عبقرية ومهارة القادة والضباط الذين تدربوا وقاموا بعملية هجومية جاءت مفاجأة تامة للطرف الآخر رغم أنها تمت تحت بصره وتكملة لهذا أظهر الجنود المصريون روحا معنوية عالية وجرأة كانتا من قبل في عداد المستحيل”. 


والخلاصة أن إنجاز أكتوبر حاز إعجاب العالم بأكمله ومازال يخضع للتحليل والدراسة في المؤسسات العسكرية بالغرب ، الأمر الذي يؤكد أن الثغرة لم تكن سوى أكذوبة إسرائيلية.


عروبة زايد وبومدين
     

التضامن العربي الذي ظهر بوضوح فى حرب أكتوبر شكل دليلاً قاطعاً على شعور العرب ولأول مرة في تاريخهم المعاصر بالخطر على أمنهم القومي والاستراتيجي ولذا توجت وحدتهم بنصرعسكرى كبير فخر به الجميع .

ومن أبرز صور التضامن والتي سطرت في التاريخ العربي الحديث بحروف من نور ، استخدام سلاح النفط وإرسال قوات عربية لخطوط الجبهة .

سلاح النفط

دخول الدول العربية المنتجة للنفط لدعم مصر وسوريا عبر استخدام سلاح النفط شكل أكبر صفعة لاقتصاديات الغرب وساهم بجانب أدوات الحرب الأخرى في تحقيق الأهداف العربية من القتال .

وكانت الدول المنتجة للنفط قد عقدت اجتماعاً في الكويت في 17 أكتوبر 1973 وقررت تخفيض الإنتاج النفطي لكل دولة عربية مصدرة للنفط بنسبة شهرية لا تقل عن 5% ويستمر التخفيض حتى يفرض المجتمع الدولي على العدو التخلي عن الأراضي العربية المحتلة ، كما أوصت بقطع النفط عن الولايات المتحدة الأمريكية لمساندتها للعدو الصهيوني بالأسلحة والأموال ، وظهرت الشجاعة والشهامة العربية واضحة في مقولة رئيس دولة الإمارات الراحل الشيخ زايد آل نهيان : إن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي .
فمنذ اللحظه الأولى التي اندلع فيها القتال في سيناء والجولان ، أعلن زايد أن دولة الإمارات العربية المتحدة تقف بكل إمكاناتها مع مصر وسوريا في حرب الشرف من أجل استعادة الأرض المغتصبة ، وعندما تدفق السلاح عبر الجسر الجوي الأمريكي إلى إسرائيل ، أوفد زايد وزير البترول الإماراتي إلى مؤتمر وزراء البترول العرب لبحث استخدام البترول في المعركة ، وأصدر الوزراء قرارهم بخفض الإنتاج بنسبة 5 % كل شهر ، ولم يكتف زايد يهذا الموقف ، بل إنه أمر وزير البترول الإماراتي أن يعلن باسمه فورا قطع البترول نهائيا عن الدول التي تساند إسرائيل، وقطعت الإذاعات العالمية إرسالها لتعلن هذا النبأ ، فقد كان القرار بداية لمعركة البترول، وعندما تلقى تهديدات من الغرب بأن عليه أن يتحمل تبعات هذا القرار ، قال زايد:إن الذين قدموا دماءهم في معركة الشرف قد تقدموا الصفوف كلها وإن النفط العربي ليس بأغلى من الدم العربي. إننا على استعداد للعودة إلى أكل التمر مرة أخرى فليس هناك فارق زمني كبير بين رفاهية البترول وبين أن نعود إلى أكل التمر.
 
إرسال قوات لخطوط الجبهة 
  
وبجانب استخدام سلاح البترول ، شاركت بعض الدول العربية بإرسال قوات لخطوط الجبهة في مصر وسوريا ، وفي مذكراته عن حرب أكتوبر، كشف الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة في تلك الفترة أن الجزائر كانت من أوائل الدول التي ساعدت المصريين في حرب أكتوبر 1973 وقد شاركت بالفوج الثامن للمشاة الميكانيكية ، مشيرا إلى أن الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين كان قد طلب من الاتحاد السوفيتي شراء طائرات وأسلحة لإرسالها إلى المصريين عقب وصول معلومات من جاسوس جزائري في أوروبا قبل الحرب مفادها أن إسرائيل تنوي الهجوم على مصر وباشر اتصالاته مع السوفيت لكن السوفيت طلبوا مبالغ ضخمة فما كان من الرئيس الجزائري إلا أن أعطاهم شيك فارغ وقال لهم أكتبوا المبلغ الذي تريدونه .
وكانت إسهامات الجزائر كالتالى : 96 دبابة ، 32 آلية مجنزرة ، 12 مدفع ميدان ، 16 مدفع مضاد للطيران الجوي ، سرب من طائرات ميج 21 سربان من طائرات ميج 17 ، سرب من طائرات سوخوي وبلغ مجموع الطائرات حوالي 50 طائرة ، أما التعداد البشري ، 2115 جندي 812 ضابط صف 192 ضابط العتاد. رئيس الإمارات الراحل زايد آل نهيان

أما بالنسبة لليبيا ، ففى هذا الوقت كانت قد عقدت صفقة طائرات مع فرنسا عام 1970 ضمت 110 طائرة ميراج ولكنها واجهت نقصا فى الطيارين لأن معظمهم كانوا في طائرات الإف 5 فساعدتها مصر في ذلك وأرسلت لها طيارين للطائرات (الميج 21 ، و الميج 17 ، والسوخوى7 ) ، وسافروا إلى فرنسا بجوازات سفر ليبية وتدربوا عليها حتى يعودوا ليدربوا الطيارين الليبيين عليها ، وعندما اندلعت حرب أكتوبر ، وضعت ليبيا كل ما بحوزتها في المعركة .

وكان العراق قد وعد بإرسال سربى هوكر هنتر إلى مصر وسربى ميج 21 وسربى ميج 17 إلى سوريا ، ووصلت مصر طائرات الهوكر هنتر ولكن سرب واحد قبل الحرب أما ال4 أسراب الأخرى فوصلت لسوريا بعد نشوب الحرب بأيام.

وفى ندوة عن حرب أكتوبر بالقدس فى 16 سبتمبر 1974 ، أحصى البروفيسور الإسرائيلي شمعون شامير خمسة إنجازات هامة للعرب في حرب أكتوبر وهى : النجاح في إحداث تغيير في الاستراتيجية السياسية للولايات المتحدة الامريكية بصورة غير مواتية لإسرائيل ، والنجاح فى تجسيد الخيار العسكري ممايفرض علي إسرائيل جهودا تثقل علي مواردها واقتصادها ، والنجاح في إحراز درجة عالية من التعاون العربي سواء علي الصعيد العسكري أو الاقتصادي خاصة عندما استخدموا سلاح البترول في أكتوبر ، واستعادة مصر حرية المناورة بين الدول الكبري بعد أن كانت قد فقدتها قبل ذلك بعشر سنوات ، وأخيرا غير العرب من صورتهم الذاتية فقد تحرروا من صدمة عام 1967 وأصبحوا أقدر علي العمل الجاد.
 
وحدة لم تدم طويلا 

حرب أكتوبر كان ترتيبها الرابع في سلسلة الحروب العربية - الإسرائيلية التي بدأت بحرب 1948 ثم حرب 1956 ثم حرب 1967 ، وبعد انتهاء تلك الحرب أعلن الرئيس الراحل السادات أن تلك الحرب هى آخر الحروب العربية الإسرائيلية ورفع شعار المفاوضات وليس السلاح لحل الصراع العربى الإسرائيلى ، وقام بزيارة إسرائيل ووقع اتفاقية سلام معها .

ورغم أن كل المؤشرات في أعقاب الحرب كانت تبشر بميلاد الوحدة العربية المرجوة ، إلا أن هذا التضامن تراجع بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 التي لم يباركها العرب حينها ، بل على العكس من ذلك وجدوا فيها خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي ووقفوا ضدها وخاصة سوريا والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية ، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتى السابق وتفرد أمريكا بوضعية القطب الأوحد وتغير المعادلات الدولية ، اقتنع العرب بوجهة نظر الرئيس السادات بشأن السلام مع إسرائيل وقبلوا بما رفضوه من قبل ، إلا أن هذا جاء متأخرا جدا لظهور ما يسمى بالحرب على الإرهاب والتى كان العرب والمسلمون ضحيتها الأولى .

وفي ضوء مواصلة إسرائيل مخططاتها التوسعية ورفض دعوات العرب للسلام ، أخذ الصراع العربي - الإسرائيلي طابعا آخر هو حرب المقاومة الممتدة ضد جيش نظامي إسرائيلي بعد توقيع مصر والأردن اتفاقيتى سلام مع إسرائيل ، والمقاومة بشقيها اللبناني والفلسطيني اعتمدت على عمليات عسكرية مباغتة يختلف عليها حاليا تقييم مشروعيتها ففيما الغرب يصفها بالارهاب يراها الجانب العربي أنها حرب تحرير مشروعة لكونها مقاومة للاحتلال وكون هناك حقوق عربية سليبة لم تتم استعادتها حتى الآن وأطلق البعض على تلك الحرب التى تحتل الترتيب الخامس في الصراع العربي - الإسرائيلي حرب المقاومة اللا نظامية وهى الحرب التي أسفرت حتى الآن عن تحرير جنوب لبنان باستثناء مزارع شبعا وأسفرت أيضا عن انسحاب إسرائيل من غزة .

وبجانب الانقسامات العربية العربية بسبب توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل ، فقد اندلعت حروب أهلية فى العالم العربي أدت إلى تدمير ما تم تحقيقه من إنجازات في حربي الاستنزاف وأكتوبر وكانت الحرب الأهلية الأردنية فاتحة الحروب الأهلية عام 1970 ثم شكلت الحرب اللبنانية التي بدأت عام 1975 أعمق وأسوأ الحروب العربية الأهلية ، فقد دمرت تلك الحرب مركز لبنان الاقتصادي والسياحي وأضعفت المقاومة الفلسطينية.

  تضامن عربى خلال حرب أكتوبر

ثم بدأت الجبهة العراقية الإيرانية بالاشتعال مسببة مِئات الآلاف من القتلى والجرحى ، ثم وقع الاجتياح والغزو الإسرائيلي الشامل للبنان عام 1982 والذي أدى لمقتل وجرح عشرات الآلاف من اللبنانيين والفلسطينيين ، ثم انتقل العالم العربي لحروب داخلية أكثر عمقا في السودان والجزائر ، ثم وقع انشقاق كبير على الصعيد العربي حول الغزو الذي قام به الرئيس العراقي السابق صدام حسين للأراضي الكويتية عام 1990 ، وبعد تحرير الكويت تعرض العراق لحصارغربي خانق انتهى باحتلال العراق في مارس 2003 ، كما تتعرض سوريا والسودان لضغوط أمريكية متزايدة ، بالإضافة إلى استمرار تردى الأوضاع في الصومال والتدخل الإثيوبى هناك ، وهناك أيضا الاقتتال الداخلي الذي اندلع بين فتح وحماس منذ الانتخابات التشريعية التي أجريت في يناير 2006 والذي انتهى بسيطرة حماس على غزة وقيام إسرائيل والغرب على إثر ذلك بفرض عقوبات جماعية وحصار جائر على القطاع ، بل والحديث أيضا عن كيانين فلسطينيين في الضفة وغزة ، الأمر الذي أعاد القضية الفلسطينية لعقود للوراء ويهدد في حال استمراره بتصفيتها تماما.

ولتوضيح الفارق الكبير بين صورة العرب في حرب أكتوبر وصورة العرب اليوم نلقى نظرة على أوجه التشابه والآختلاف بين حرب أكتوبر وحرب لبنان الأخيرة .

فالحرب السادسة التي خاضتها إسرائيل ضد حزب الله في 12 يوليو 2006 ، كما حرب 6 أكتوبر1973 أثبتت أن إرادة الشعوب في التحرير والكرامة لا تعرف موازين القوة العسكرية ، ففى الفترة بعد نكسة يونيو كانت إسرائيل تصف الجيوش العربية والجيش المصرى بصفة خاصة بالجثة الهامدة ، إلا أن تلك الجثة الهامدة حسب وصفها ألحقت بها هزيمة عسكرية نكراء لن تنساها أبد الدهر، وقبل حرب لبنان الأخيرة كانت إسرائيل ترتكب يوميا أبشع المجازر في غزة وتنتهك الأجواء اللبنانية يوميا وتهدد باستمرار سوريا وحركات المقاومة تدعمها في بلطجتها تلك أمريكا ، إلى أن شنت الحرب على لبنان في 12 يوليو 2006 وكان الجحيم بانتظارها بعد أن تعرضت لخسائر فادحة على أيدى بضعة آلاف من مقاتلى حزب الله وبعد أن تعرض عمقها للمرة الأولى في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية لقصف صواريخ حزب الله .

حرب لبنان كحرب أكتوبر توقفت بقرار دولى بعد أسابيع من بدء القتال ولم يصدر قرار دولى فورى بوقف الحرب في الحالتين بعد اندلاع القتال مباشرة .

ورغم ذلك فإنه يوجد فروق هائلة بين الحربين ، فحرب أكتوبر كانت حربا نظامية بينما حرب لبنان كانت حربا بين جيش وميليشيا وفى حرب أكتوبر تآلف العرب جميعاً وتضامنوا مستخدمين الكثير من أدوات الصراع، فعملوا على استخدام النفط وكان سلاحاً ناجحاً أدى إلى نتائج مبهرة، كما شاركت الكثير من الدول العربية في الجيوش التي تحارب على جبهات القتال، ناهيك عن التضامن المعنوي والسياسي والدبلوماسي المطلق الذي أظهره العرب في ذلك الزمن ، بينما أتت حرب حزب الله مع إسرائيل قاسية في وحشيتها الصهيونية، مثقلة كاهل حزب الله بوقوفه وحيداً في الساحة وعلى جبهة واحدة، حيث افتقد التضامن العربي والدولي، وافتقد حتى التضامن في الشارع اللبناني من بعض القوى السياسية !!.

نتائج الحربين كانت مختلفة ، فبعد حرب أكتوبر انطلقت مفاوضات سلام بين مصر وإسرائيل انتهت بتوقيع اتفاقية سلام ، بينما في حرب لبنان مازال الوضع شائكا ويمكن أن يندلع القتال مجددا في أية لحظة ، لرفض لبنان توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية وانسحاب إسرائيل من الجولان السورى ، كما أن إسرائيل ترفض إجراء أى مفاوضات مع حزب الله الذى تعتبره منظمة إرهابية.

محطة أم آخر الحروب ؟   

وما سبق ليس هو السبب الوحيد في تردي الوضع العربي بعد حرب أكتوبر بل ارتبط التردي أيضا بسواد الديكتاتورية وبمنع الحريات وملاحقة المثقفين، الأمر الذي أدى إلى تكرار النكسات العربية ، ولذا ماأحوجنا اليوم بالفعل إلى روح أكتوبر للتصدى للمخططات الصهيونية والأمريكية ضد تاريخنا ومستقبلنا.
ويبقى التساؤل الجوهرى هل فعلا حرب أكتوبر هى آخر الحروب النظامية كما أعلن السادات ؟ .      
تباينت تفسيرات المراقبين في هذا الشأن ، فهناك من يرى أنها مجرد محطة وسيتبعها حروب أخرى بالنظر إلى رفض إسرائيل للسلام وتصاعد التوتر في المنطقة على خلفية أزمة الملف النووى الإيرانى والاستفزازات الإسرائيلية المتواصلة ضد سوريا ، وفى المقابل هناك من يرى أن حرب أكتوبر كانت بالفعل آخر الحروب النظامية على الأقل بالنسبة لمصر وأن أى حروب قد تندلع مستقبلا ستكون شبيهة بما حدث بين إسرائيل وحزب الله اللبنانى في صيف 2006 .      
  
مجرد محطة 

بالنسبة للتفسير الأول ، ذكر الخبير الاستراتيجي اللواء صلاح الدين سليم في تصريح لجريدة نهضة مصر المستقلة في 22 أكتوبر الماضى أن حرب أكتوبر لم تنته ولا يزال السلام القائم مع إسرائيل بارداً ومنقوصاً لأن إسرائيل مستمرة في مخطط تهويد الجزء الأكبر من فلسطين المحتلة وفي السطو علي الأراضي العربية من خلال بعض الاختراقات للحدود اللبنانية واحتلال مزارع شبعا والاستمرار في التوسع الاستيطاني في سوريا.

كما أن إسرائيل لاتزال مصدرا لتهديد الأمن القومي المصري والعربي بسبب نشاط الجاسوسية بكل صورها وقدراتها النووية واستمرارها في رفض المبادرات المصرية لإخلاء منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي أو أسلحة الدمار الشامل، وكذلك تحاول إسرائيل باستمرار التدخل في دول حوض النيل لتهديد موارد مصر المائية وضربها ومحاولة تحريض بعض من هذه الدول علي المساس بمصالح مصر المائية.

وبجانب ما سبق فإن إسرائيل مستمرة في خططها العسكرية وتطوير أسلحة الردع الاستراتيجية خاصة الصواريخ والأسلحة الذكية بهدف ردع دول الطوق العربية ومحاولة إبعادها عن التأثير المباشر في القضية الفلسطينية.
ووفقا للواء صلاح الدين سليم يري فإنه رغم أن مصر استفادت جزئياً من تحقيق السلام مع إسرائيل بالتركيز علي التنمية لكنها ارتكبت أخطاء عديدة أهمها التسرع فى الخصخصة وارتكاب أخطاء كبري في بيع القطاع الخاص وعدم وجود استراتيجية اقتصادية واضحة لأي حكومة منذ عام 1987 ، كما انتقد الاكتفاء بإدارة الأوضاع الراهنة في ظل سياسة رد الفعل دون وجود تخطيط استراتيجي يحافظ علي الوحدة الوطنية والانتماء الوطني وجمع طاقات الشعب من أجل الحفاظ علي مصلحة مصر ، مشددا على ضرورة وجود خطة استراتيجية للمواجهة في حال نشوب حرب مجددا .
وفى السياق ذاته ، يرى الخبير الاستراتيجي اللواء حسام سويلم أن حرب أكتوبر لم تنته ومازال هناك صاع خفي وممتد ، هذا الصراع له أبعاد سياسية واجتماعية وحضارية وبالتالى فإذا كانت حرب أكتوبر العسكرية قد انتهت فإن الحرب الحضارية لن تنتهي مطلقاً وأيضا لن تنتهي حرب الجواسيس والمخابرات ، مؤكدا ضرورة تدعيم التعاون العربي والشراكة العربية لمواجهة أخطار المخطط الصهيوني.

ويتفق معه في الرأي الخبير الاستراتيجي اللواء جمال مظلوم مؤكداً أن حرب أكتوبر لم تنته لأن إسرائيل كيان عدوانى ومازالت تمارس أبشع صور الإجرام ضد الشعب الفلسطيني ومازلت تحتل الضفة الغربية وأرض الجولان السورية.
وأضاف قائلا : أتصور أن العدوان والتهديد لمصر لم ينته ولن ينتهي أبداً واسرائيل ألمحت لهذا منذ سنوات قليلة عندما هددت بضرب السد العالي وهذا التهديد لايأتي من فراغ ولكنه يشير إلي نوايا سيئة وعدوانية ستظل عالقة في أذهان القادة الإسرائيليين خاصة من خاضوا حرب أكتوبر، لذلك فسوف يظل هذا الفكر قائماً وهو مايستدعي ان تكون لدينا القدرة علي ردع هذه الأفكار في أي وقت وتحت أي تهديدات.
وأعرب عن أسفه للتخلى عن روح أكتوبر ، قائلا : هذه الروح كانت توجد بداخل كل بيت فى مصر فحرب أكتوبر لم تكن حربا عسكرية بل كانت حربا شارك فيها جميع أبناء الوطن لأنهم كانوا يعيشون مأساة واحدة هي هزيمة 1967 ، الأمهات والسيدات تظاهرن من أجل قيام حرب أكتوبر.

الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر حذر في تصريح لصحيفة الأخبار مؤخرا من أن إسرائيل يمكن أن تخوض حربا جديدة ضد مصر .

وفي رده على سؤال حول إمكانية تحقيق النصر في أى حرب جديدة ، قال الشاذلى : تحقيق النصر يفترض ألا يكون عسكرياً فقط، ولا بد من أن تخدم السياسة الناحية العسكرية، وتكون معتمدة على معسكر من المعسكرات. لايمكن الدول المتوسطة والصغيرة اليوم أن تشن حرباً وهي ليست على صداقة بأي معسكر من المعسكرات حتى تستمد منه السلاح والتأييد في النواحي السياسية في الأمم المتحدة وتضمن ألا يستخدم أحد الفيتو ضدها.

وأضاف قائلا : مثلاً، إيران التي تتحدى اليوم الأمم المتحدة، لا بد في تقديري من أن لديها إمكانيات ضخمة قد لا نعرفها، فالتهديدات التي تصدر عن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد والزعماء الإيرانيين تجعلنا نعتقد بأن لديهم إمكانيات وأنهم واثقون منها تماماً وأن إيران لديها قوة ردع بالنسبة إلى أمريكا وإسرائيل. وأظن أن هذا الأمر غير متوافر بالنسبة إلى مصر، ولا يمكن أن أطمئن إلى أن أمريكا ستعطينا أسلحة لكي نقاتل بها إسرائيل، بل على العكس فأمريكا تعطي أسلحة لإسرائيل ولا توجد جهة بوزن أمريكا تمنح سلاحاً لمصر . كل هذه العوامل السياسية والعسكرية تجعلنا ننظر إلى الموضوع بحذر شديد .
  
آخر الحروب النظامية 
  
وفقا للتفسير الثانى ، فإنه لايمكن في الوقت الراهن تصور توظيف العسكرية النظامية وحدها لاستعادة الحقوق العربية المغتصبة مثلما حدث في حرب أكتوبر بعد تغير الظروف الدولية والعربية عما كانت عليه قبل وأثناء حرب أكتوبر ، فالمنطقة العربية تمر الآن بأفدح كبواتها في العراق المحتل والضغوط الهائلة التي تتعرض لها سوريا وأيضا الضغوط التي تتعرض لها المقاومتان اللبنانية والفلسطينية (حزب الله في لبنان والجهاد وحماس في فلسطين) حيث تسعى أمريكا وإسرائيل للإجهاز على أدوات الحرب الخامسة بالضغط لتفكيك حركات المقاومة وتسليم أسلحتها وإدخالها في العملية السياسية لتنفيذ مخططات السيطرة على ثروات المنطقة العربية بأكملها دون أى رادع .
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فإنها لم تشهد تراجعا مثلما يحدث هذه الأيام فبعدما تفرق الأخوة في الكفاح والوطن بسبب الصراع الدامى على السلطة بين فتح وحماس فإن هناك مخططات تجرى على قدم وساق حاليا وتقودها إسرائيل وأمريكا لتصفية القضية من الأساس عبر فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة وإسقاط حق العودة ومؤتمر السلام الذى دعا إليه الرئيس الامريكي جورج بوش في منتصف نومفبر 2007 ما هو إلا الغطاء لتنفيذ تلك المخططات الشيطانية ، بالإضافة إلى أن الدول العربية القوية كمصر والسعودية دخلت في خلاف مع سوريا وهو المحور الذى كان يشكل صمام الأمان للأمن القومى العربى في الصراع مع إسرائيل كما أن مصر بتوقيعها اتفاقية سلام مع إسرائيل تكون قد خرجت من دائرة الصراع .

وفي هذا الصدد ، قال محمد بسيوني سفير مصر لدى إسرائيل سابقا :” لو أعدنا قراءة خطاب أهداف معركة أكتوبر الذى بعث به الرئيس السادات للفريق أول أحمد اسماعيل القائد العام للقوات المسلحة المصرية يوم 5 أكتوبر لاتضح لنا أن الحرب حققت أهدافها ، أول هذه الأهداف تمثلت في كسر الجمود الحاد في المسيرة السلمية ، ثانيها إلحاق أكبر خسائر ممكنة في الأرواح والمعدات والأسلحة للعدو، ثالثها تحرير سيناء علي مراحل طبقاً لقدرات القوات المصرية ” .


كما أن عقدة أكتوبر لازالت موجودة لدي الإسرائيليين وهم يخشون من تكرار الأمر مرة أخري رغم ماعندهم من تقدم نوعي وتكنولوجيا متطورة لأنهم يعون تماماً أن القوات المصرية بطائراتها الأقل تقدماً في حرب أكتوبر استطاعت ان تحدث خسائر مهولة في طائرات الفانتوم التي كانت تستخدمها إسرائيل أثناء الحرب بالإضافة إلى أن حرب أكتوبر تركت أثرا كبيرا داخل كل بيت في إسرائيل حيث لا يوجد بيت إلا وفيه قتيل أو جريح من حرب أكتوبر ولذا عندما تحل ذكري أكتوبر يتجنبون النقاش حولها .

أما الدكتور مصطفي منجود أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة فيقول: من ناحية الآثار المعنوية والتكاتف والقيم النبيلة التي مرت بها مصر أثناء حرب أكتوبر حدث لها تغير والروابط حدث لها تفكك أما علي المستوي العسكري فحدث استرخاء وانطفأت روح أكتوبر العسكرية، حيث لم يحدث تلاحم مع العدو منذ 73، مع أن الحديث عن السلام لايعني بحال من الأحوال أنه البديل الوحيد.

  

وفي السياق ذاته ، قال المفكر محمود أمين العالم :” انتهت حرب أكتوبر بالاعتراف الرسمي بإسرائيل وهزيمتنا علي المستوي القيمي بعد أن كانت مصر رباط العالم العربي ، تراجع هذا الدور، وانهارت القومية بعد أن تراجع دور الدولة القائد، وتفككت المعنويات وحدث نوع من عدم الاكتراث وبدأت مصافحات القادة العرب لحكام إسرائيل، وغابت رؤيتنا وتصورنا للعالم، وعانينا من أحادية الرؤية والتدهور الثقافي، وتراجعت روح الانتماء” .

 وأيا كانت صحة التفسيرات السابقة ، فإن الأمر الذى لاجدال فيه هو أن السلام بحاجة لقوة تحميه وهذا ما يجب أن يحرص عليه العرب فى كافة الأحوال

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : صفحات منسية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



http://img145.imageshack.us/img145/9190/headershortnq5.jpg