المعارك فى سيناء والجولان
هاجمت القوات السورية تحصينات القوات الإسرائيلية في مرتفعات الجولان، بينما هاجمت القوات المصرية تحصينات إسرائيل بطول قناة السويس وفي عمق شبه جزيرة سين
وافتتحت مصر حرب 1973 بضربة جوية تشكلت من نحو 222 طائرة مقاتلة عبرت قناة السويس مجتمعة في وقت واحد في تمام الساعة الثانية بعد الظهر على ارتفاع منخفض للغاية لتقصف الأهداف المحددة لها داخل أراضى سيناء.
وقد استهدفت محطات الشوشرة والإعاقة في أم خشيب وأم مرجم ومطار المليز ومطارات أخرى ومحطات الرادار وبطاريات الدفاع الجوي وتجمعات الأفراد والمدرعات والدبابات والمدفعية والنقاط الحصينة فى خط بارليف ومصافى البترول ومخازن الذخيرة ، حيث كان الطيارون المصريون يفجرون طائراتهم في الأهداف الهامة والمستعصية لضمان تدميرها ومنهم على سبيل المثال محمد صبحى الشيخ وطلال سعدالله وعاطف السادات شقيق الرئيس الراحل أنور السادات وغيرهم.
لقد كانت الضربة الجوية عبارة عن ضربتين متتاليتين قدر الخبراء الروس نجاح الأولى منهما بنحو 30% وخسائرها بنحو 40% ، ونظرا للنجاح الهائل للضربة الأولى والبالغ نحو 95% وبخسائر نحو 2.5% تم إلغاء الضربة الثانية.
وفور نجاح الصربة الجوية الأولى ، انطلق أكثر من 2000 مدفع من مختلف الأعيرة على التحصينات الإسرائيلية على الجبهة الشرقية لقناة السويس التي سمتها إسرائيل خط بارليف واستمر القصف 53 دقيقة .
فى نفس الوقت أيضا قامت قوات الجيش الثانى المصرى بقيادة اللواء سعد الدين مأمون وقوات الجيش الثالث بقيادة اللواء عبد المنعم واصل بعبور القناة على دفعات متتالية على أنواع مختلفة من الزوارق المطاطية والخشبية.
نجح سلاح المهندسين المصرى بعمل أول كوبرى ثقيل فى حوالى الساعة الثامنة مساء وبعد 8 ساعات أى حوالى الساعة 10.30 قاموا بعمل 60 ممر بالساتر الترابى الذى أقامته إسرائيل على طول الجبهة خط بارليف وإنشاء 8 كبارى ثقيلة ، و4 كبارى خفيفة ، وتشغيل 30 معدية.
وعبر القناة 8000 من الجنود المصريين،ً ثم توالت موجتى العبور الثانية والثالثة ليصل عدد القوات المصرية على الضفة الشرقية بحلول الليل إلى 60000 جندى، في الوقت الذى كان فيه سلاح المهندسين المصرى يفتح ثغرات فى الساتر الترابى باستخدام خراطيم مياة شديدة الدفع.
وأمام هذا الهجوم الكاسح ، سارعت إسرائيل إلى تشغيل صفارات الإنذار في جميع أنحاء إسرائيل لإعلان حالة الطوارئ واستأنف الراديو الإسرائيلي الإرسال رغم العيد وبدأ تجنيد قوات الاحتياط إلا أن الوقت القصير الذي كان متوفرا للتجنيد وعدم تجهيز الجيش لحرب أعاق رد جيش الاحتلال الإسرائيلي على الهجوم المصري السوري.
حقق الجيشان المصري والسوري إنجازات باهرة في الأيام الأولى بعد شن الحرب، حيث نجحت القوات المصرية في اختراق خط بارليف الحصين خلال ست ساعات فقط من بداية المعركة وأوقعت القوات المصرية خسائر كبيرة في القوة الجوية الإسرائيلية، وانتشرت القوات المصرية حوالى 20 كم شرق قناة السويس .
معارك دامية بين القوات المصرية وجيش الاحتلال الإسرائيلى على طول الجبهة في سيناء شرق قناة السويس خلال أيام 6 ، 7 ، 8 أكتوبر.
في 8 أكتوبر ، حاولت إسرائيل القيام بهجوم مضاد إلا أنه فشل وأسر العقيد عساف ياجورى أشهر أسير إسرائيلى ، كما فشلت القوات الجوية الإسرائيلية فى تدمير شبكة الدفاع الجوى المصرية التى استخدمت صواريخ سام بأنواعها المختلفة بكفاءة وسقوط عدد كبير من الطائرات الإسرائيلية وصل إلى 50 طائرة خلال الثلاث أيام الاولى.
أمريكا تبدأ فى دخول الحرب يوم 8 أكتوبر مع إسرائيل ضد مصر وسوريا ووصول تقارير وصور لمواقع القوات المصرية بالقمر الصناعى مع مسئول بوزارة الدفاع الامريكى إلى إسرائيل.
جولدا مائير رئيس وزراء إسرائيل في هذا الوقت تصرخ أنقذوا اسرائيل وأمريكا تعد بتعويض خسائرها يوم 9 أكتوبر والتى بلغت أكثر من 400 دبابة وخمسون طائرة.
بنهاية يوم 9 أكتوبر وصل الجيشان المصرى الثانى والثالث على عمق 15 كيلومتر داخل سيناء ، يوم 12 أكتوبر السادات يصدر قرار سياسيا بتطوير الهجوم شرقا لتخفيف الضغط على سوريا .
إلا أنه فى 13 أكتوبر ، بدأت الولايات المتحدة بالفعل فى إرسال قطار جوي لإسرائيل، أي طائرات تحمل عتاد عسكري لتزويد الجيش الإسرائيلي بما ينقصه من العتاد ، وفي اليوم ذاته أيضا اخترقت طائرة استطلاع أمريكية اس ار 71 المجال الجوى المصرى بثلاث أضعاف سرعة الصوت وعلى ارتفاع 25 كم ـ لم يستطع الجيش المصرى اسقاط الطائرة لأنها خارج مدى الصواريخ المصرية كما لم تستطع الطائرات المصرية اللحاق بها.
13 أكتوبر مصرع القائد العام للمدرعات الإسرائيلية بسيناء البرت ماندلر.
14 أكتوبر الجيش المصرى يقوم بتطوير الهجوم شرق قناة السويس دون غطاء من الدفاع الجوى ويتكبد خسائر ضخمة فى الدبابات واصابة سعد مأمون قائد الجيش الثانى بنوبة قلبية وانتقال قيادة الجيش الثانى للؤاء عبد المنعم خليل.
17 أكتوبر قام الجيش الإسرائيلى بعمل معبر على القناة بمنطقة الدفرسوار وعبرت منها ثلاث فرق مدرعة بقيادة كل من ارييل شارون وابراهام ادان وكلمان ماجن للجانب الغربى من القناة تحت قصف شديد من مدفعية الجيش الثانى بقيادة عميد عبد الحليم أبو غزالة ، فيما عرف ب الثغرة .
وفي 17 أكتوبر أيضا ، السعودية والدول العربية تبدأ فى تخفيض إنتاجها من البترول للدول التى تساعد إسرائيل.
يومى 20 ، 21 أكتوبر فشل ارييل شارون فى احتلال الإسماعيلية وتطويق الجيش الثانى .
يوم 21 أكتوبر ، تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة وتم إصدار القرار رقم 338 الذي يقضي بوقف جميع الأعمال الحربية بدءا من يوم 22 أكتوبر عام 1973م، وقبلت مصر بالقرار ونفذته اعتبارا من مساء نفس اليوم إلا أن القوات الإسرائيلية خرقت وقف إطلاق النار وزادت من عملياتها العسكرية غرب القناة، فأصدر مجلس الأمن الدولي قرارا آخر يوم 23 أكتوبر هو القرار رقم 33
9 الذى يلزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار.
يوم 24 أكتوبر لم تحترم إسرائيل قرار وقف إطلاق النار للمرة الثانية وحاولت إحتلال مدينة السويس .
يوم 25 أكتوبر فشل إسرائيل فى احتلال المدينة وخسائر ضخمة لها بالدبابات بواسطة المقاومة الشعبية لمدينة السويس ومعاونة من قناصة دبابات من الفرقة 19 مشاة بالجيش الثالث.
يومى 26 و 27 إسرائيل تقوم بقطع طريق مصر السويس لوقف الامدادات للجيش الثالث.
وصول قوات الطوارئ الدولية يوم 28 أكتوبر وتوقف القتال تماما بعدما أدركت إسرائيل أنها خسرت المعركة وأن الجيش المصري متمسك بمواقعه التي حررها من إسرائيل ووافقت إسرائيل على قبول وقف إطلاق النار والدخول فورا في مباحثات عسكرية للفصل بين القوات لتبدأ مراحل المفاوضات من خيمة الأمم المتحدة في الكيلو101 طريق القاهرة ـ السويس وهي المسيرة التى استمرت حتى التحرير الكامل لسيناء .
وشهدت عملية الانسحاب من سيناء ثلاث مراحل أساسية ، وكانت المرحلة الأولي النتيجة العملية المباشرة للحرب وانتهت في عام1975 بتحرير8000 كم مربع ، وتحقيق أوضاع عسكرية تمثل سلاما عسكريا بين الطرفين.
وقد تم خلال هذه المرحلة استرداد منطقة المضايق الإستراتيجية وحقول البترول الغنية علي الساحل الشرقي لخليج السويس، ثم نفذت المرحلتان الثانية والثالثة في إطار معاهدة السلام(1979 ـ1982)
وتضمنت المرحلة الثانية انسحابا كاملا من خط العريش - رأس محمد والتي انتهت في يناير1980 وتم خلالها تحرير32000 كم مربع من سيناء ليصبح اجمالي الأراضي المحررة40000 كم مربع وتمثل ثلثي مساحة سيناء
أما المرحلة الثالثة والأخيرة ، فقد أتمت خلالها إسرائيل الانسحاب إلي خط الحدود الدولية الشرقية لمصر وتحرير21000 كم مربع من سيناء ، وكان هذا في يوم 25 إبريل1982 حيث تم تحرير كل شبر من سيناء فيما عدا الشبر الأخير ممثلا في مشكلة طابا التي أوجدتها إسرائيل في آخر أيام انسحابها من سيناء .وقام الرئيس مبارك فى الخامس والعشرين من إبريل عام 1982 برفع العلم المصري فوق سيناء بعد استعادتها من المحتل الإسرائيلي.
وقد استغرقت المعركة الدبلوماسية لتحرير طابا سبع سنوات من الجهد الدبلوماسي المكثف وانتهت باسترداد الشبر الأخير من أرض سيناء, ورفع عليه الرئيس حسني مبارك علم مصر في مارس1989 بعد إزالة الوجود الإسرائيلي من المنطقة ، لتكتمل مسيرة نضال شعب دامت خمسة عشر عاما.
الجبهة السورية
تمكنت القوات السورية من الدخول في عمق هضبة الجولان والسيطرة على القاعدة الإسرائيلية الواقعة على كتف جيل الشيخ وعلى أراض في جنوب هضبة الجولان.
وفي 8 أكتوبر ، أطلقت سوريا هجوما صاروخيا على قرية مجدال هاعيمق شرقي مرج ابن عامر داخل إسرائيل، وعلى قاعدة جوية إسرائيلية في رامات دافيد الواقع أيضا في مرج ابن عامر.
وفي 9 أكتوبر فشلت قوات سورية في اجتياح خط الجبهة قرب مدينة القنيطرة وأرسل العراق قوات لمساعدة الجيش السوري ، وشن الجيش الإسرائيلي إسرائيل غارات جوية لقصف مواقع في عمق الأراضي السورية وتمكن من إلحاق أضرار بمقر قيادة الجيش السوري بدمشق.
بين 10 و13 أكتوبر أعاد الجيش الإسرائيلي احتلال هضبة الجولان ما عدا كتف جبل الشيخ الذي أعاد احتلاله في 21 أكتوبر.
تقدمت القوات الإسرائيلية إلى مزرعة بيت جن واحتلت منطقة شرقي هضبة الجولان .
لم تلتزم سوريا بوقف إطلاق النار، وبدأت حرب جديدة أطلق عليها اسم حرب الاستنزاف هدفها تأكيد صمود الجبهة السورية بعد التزام مصر بوقف إطلاق النار واستمرت هذه الحرب مدة 82 يوماً.
عمل وزير الخارجية الأمريكي في هذا الوقت هنري كيسنجر وسيطا بين مصر وسوريا وإسرائيل ووصل إلى اتفاقية هدنة في31 مايو 1974
لا تزال سارية المفعول بين سوريا وإسرائيل وأخلت إسرائيل بموجبها مدينة القنيطرة التي احتلتها عام 1967 ، إلا أن الجولان مازالت تئن تحت وطأة الاحتلال بانتظار حرب أكتوبر أخرى .
نتائج الحرب
تعرضت إسرائيل لهزيمة قاسية في حرب أكتوبر ولذا تشكلت لجنة تحقيق إسرائيلية في شهر نوفمبر عام 1973 أطلق عليها اسم لجنة ( اجراثات ) واستمرت في عملها أربعة شهور ، وأكدت في تقريرها النهائي أن ماحدث لإسرائيل في معارك أكتوبر 1973 هو هزيمة وتقصير وأوصت بإحالة 4 من كبار القادة الإسرائيليين للتقاعد وهو دافيد بن اليعازر رئيس الأركان والجنرال شموئيل جونين قائد القيادة الجنوبية التي واجهت الجبهة المصرية ، وايلي زاعيرا رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ، والبريجادير اربيد شالين مساعد رئيس الاستخبارات للأبحاث .
ويجمع المراقبون أنه لولا التدخل الأمريكي المباشر في المعارك على الجبهة المصرية بجسر جوي لإنقاذ جيش الاحتلال الإسرائيلي لمنيت إسرائيل بهزيمة ساحقة على أيدي الجيش المصري وحصلت أشياء أخرى ربما كانت لتغير من التاريخ فعلاً ، بالنظر إلى أنه في هذا الوقت كانت جميع قوات جيش الاحتلال الإسرائيلى تقاتل في جبهتى الجولان وسيناء باستثناء فرقة واحدة هى التى تحمى الكيان العبرى فى داخل حدوده ، وفي حال كهذا كان بإمكان الفلسطينيين بمساعدة جيوش عربية كالعراق والأردن تحرير الأراضى الفلسطينية المحتلة عامى 1948 و1967 .
لقد كان من أبرز نتائج حرب 6 أكتوبر استرداد مصر السيادة الكاملة على قناة السويس واسترداد جزء من الأراضي في شبه جزيرة سيناء ، واسترداد سوريا مدينة القنيطرة .
وأدت الحرب أيضا إلى عودة الملاحة في قناة السويس في يونيو 1975م ، كما قضت مصر علي أسطورة الجيش الذي لا يقهر باقتحامها لقناة السويس أكبر مانع مائي في العالم واجتياحها لكامل نقاط خط بارليف واستيلائها خلال 6 ساعات فقط على الضفة الشرقية لقناة السويس بكل نقاطها وحصونها وإدارتها بنجاح لقتال شرس فى عمق
كما مهدت الحرب الطريق لاتفاقية كامب ديفيد للسلام عام 1979 والتى وقعتها مصر وإسرائيل إثر مبادرة السادات التاريخية في نوفمبر 1977 م وزيارته للقدس ، وهو ما يؤكد أن هدف السادات من الحرب كان تحريك الصراع بعد أن انشغلت القوى العظمى بمشاكلها.
وكان للنصر أيضا تأثيرات معنوية كبيرة جدا فقد أثبت للعالم أجمع قدرة المصريين علي إنجاز عمل عسكري جسور ، يستند إلي شجاعة القرار ، ودقة الإعداد والتخطيط ، وبسالة الأداء والتنفيذ ، وأن براعة التخطيط العسكري وبسالة المقاتل المصري وإيمانه بشرف الأهداف التي يقاتل من أجلها كانت أقوي وأكبر من الفارق في القدرة والتقدم في المعدات والعتاد ، كما ضرب الشعب المصري أروع صور البطولة حينما تجاوز الصراعات الداخلية ، ووقف إلي جوار قواته المسلحة وقفة رجل واحد ، يشد أزرها ، ويدعم قدراتها ، ويضع مطلب تحرير الأرض فوق كل المطالب والأولويات .
وحققت حرب أكتوبر أيضا ما لم يكن الكثير من العرب يتخيل أنها ستحققه، فالنظرية القائلة إن الكيان الإسرائيلي هو قوة شيطانية لا يمكن دحرها، وقفت عائقاً أمام العرب في الكثير من سنوات النزاع التي تبعت حرب 1948، لتجعلهم يسلّموا بهذه النظرية وخاصة بعد نكسة الخامس من يونيو 1967 إلا أن حرب أكتوبر التي أتت بعد ست سنوات من النكسة شكلت تحولاً استراتيجياً هاماً في إدارة دفة الصراع وفي قدرة العرب على التحول إلى موقع المواجهة ، وعلى قلب الأدوار من موقع المتلقي الدائم لضربات واعتداءات إسرائيل المتكررة، إلى أصحاب المبادرة في الضرب وإعلان الحرب على هذا الكيان الصهيونى .
وأكدت حرب أكتوبر أيضا استحالة سياسة فرض الأمر الواقع ، واستحالة استمرار حالة اللاسلم واللاحرب ، واستحالة احتكار التفوق العسكري ، واستحالة إجبار شعوب المنطقة علي قبول الاحتلال ، بالإضافة إلى أنها أثبتت أن الأمن الحقيقي لا يضمنه التوسع الجغرافي علي حساب الآخرين ولذلك تنبه العالم لضرورة إيجاد حل للصراع العربى الإسرائيلى.
ومن أبرز نتائج الانتصار الكبير في أكتوبر أيضا إعادة تعمير سيناء وبدء مشروعات ربطها بوادي النيل والعمل علي تحويلها إلي منطقة إستراتيجية متكاملة تمثل درع مصر الشرقية.
ومن أجل ذلك تمت إعادة تقسيم سيناء إداريا إلى محافظتين، بعد أن كانت محافظة واحدة فقسمت الي محافظة شمال سيناء ومحافظة جنوب سيناء فيما انضمت شريحة من سيناء شرق قناة السويس بعرض20 كيلو مترا إلي محافظات القناة الثلاث: بورسعيد والإسماعيلية والسويس، تأكيدا لارتباط سيناء بوادي النيل، حيث لم تعد القناة تمثل حاجزا إداريا يعزل شبه جزيرة سيناء عن وادي النيل.
وبدأ تنفيذ العمليات الكبري لتحقيق الربط الجغرافي بين وادي النيل وسيناء عبر قناة السويس، فأنشئ نفق أحمد حمدي شمال السويس.. ليمر تحت القناة ويربط غربها بشرقها برا.. كما شقت ترعة السلام جنوب بورسعيد إلي سيناء لكي تروي بمياه النيل ما يقرب من نصف مليون فدان في شمال سيناء
وفي إطار الخطة القومية لإعادة تعمير سيناء والتي ستستمر حتي عام2017.. استكملت عملية الربط العضوي بإنشاء جسرين فوق القناة هما: الكوبري المعلق جنوب القنطرة وكوبري الفردان المتحرك للسكك الحديدية فضلا عن مد خط السكة الحديد بين الإسماعيلية ورفح ويبلغ طوله217 كيلو مترا .
ولم تعد سيناء أو كما يطلق عليها أرض الفيروز - لتميز شواطئها بلون فيروزى وهو لون خليط من الأخضر والأزرق - مجرد أرض صحراوية تشكل عازلا جغرافيا ومنطقة استراتيجية تفصلنا عن إسرائيل ، ولكنها أصبحت حصنا يحمي البوابة الشرقيه لمصر ويصونها من كل تهديد بعد أن تحقق لها الأمن بمفهومه الحقيقي القائم على البناء وامتداد الرقعة السكانية, كما أصبحت رافدا من روافد النمو الاقتصادي بعد اكتشاف البترول فيها ، بالإضافة إلى احتوائها على العديد من المدن والأماكن ذات الجذب السياحى الكبير.
والخلاصة أنه ما كان لمسيرة التنمية التى تشهدها مصر حاليا أن تنطلق لولا تضحيات الشهداء الذين روت دمائهم أرض سيناء الغالية.
الضفة الشرقية وعلى الضفة الغربية لقناة السويس.
الخداع والمفاجأة
النصر السريع في حرب أكتوبر ما كان ليتحقق لولا وجود عنصرى الخداع والمفاجأة ، حيث وجهت المخابرات المصرية والسورية أكبر صفعة للموساد الإسرائيلى الذى سقط هو الآخر كأسطورة الجيش الذى لا يقهر ، وفي الذكرى الـ 35 للعبور العظيم نسلط الضوء على خطة الخداع وشهادات أبرز قادة حرب أكتوبر حول المفاجآت التى زلزلت إسرائيل عسكريا وسياسيا.
خطة الخداع
اعتمدت الخطة المصرية السورية لاستعادة سيناء والجولان على الخداع الاستراتيجى حيث دخلت القيادة السياسية في مصر وسوريا قبل الحرب في مشروع للوحدة مع ليبيا والسودان رأى فيه العدو حالة استرخاء للقيادات السياسية في البلدين ولم ير فيها بحسب ما جاء فى مذكرات حرب أكتوبر للفريق سعد الدين الشاذلى بعدها الاستراتيجى فى أن ليبيا والسودان قد أصبحا هما العمق العسكرى واللوجيستى لمصر .
فقد تدرب الطيارون المصريون فى القواعد الليبية وعلى طائرات الميراج الليبية ونقلت الكلية الحربية المصرية إلى السودان بعيدا عن مدى الطيران الإسرائيلى ، وقد سمح مشروع الوحدة بجلوس القادة العسكريين فى مصر وسوريا على مائدة المفاوضات أمام عيون الموساد للتنسيق فيما بينهم على موعد الحرب .
ومن مراحل الخداع الاستراتيجى أيضا هو الذكاء فى التعامل مع حركة القمر الصناعى الأمريكى المخصص لمراقبة الجبهة وقتها ، حيث أجرت مصر التعبئة العامة 3 مرات قبل هذه الحرب ( مناورات الخريف) وكانت إسرائيل تقوم فى كل مرة باستدعاء احتياطيها المركزى وتعلن التعبئة العامة خوفا من الهجوم المصرى المرتقب وكانت تلك التعبئة توقف الحياة الاقتصادية فى إسرائيل تماما وتكبدها ملايين الدولارات.
والمرة الوحيدة التى أعلنت فيها مصر التعبئة العامة فى مناورات الخريف وتجاهلتها إسرائيل بسبب تكلفتها وخسائرها المالية هى التى قامت فيها حرب أكتوبر .
والخداع كان أكثر تأثيرا عندما أعطت تعليمات للضباط الصغار بالكليات العسكرية بمواصلة الدراسة يوم 9 أكتوبر ، وسمح للضباط بالحج ، ويوم 4 أكتوبر أعلنت وسائل الإعلام المصرية عن تسريح 20000 جندى احتياط وصباح يوم 6 أكتوبر نشر المصريون فرقا خاصة على طول القناة وكانت مهمتهم أن يتحركوا بدون خوذ أو أسلحة أو ملابس وأن يستحموا ويصطادوا السمك ويأكلوا البرتقال.

كما تم تطوير مصلحة الدفاع المدنى قبل الحرب بمعدات إطفاء قوية وحديثة ومنها طلمبات المياه التى استخدمت فى تجريف الساتر الترابى بطول الجبهة وذلك بعيدا عن عيون الموساد
أما بالنسبة للجبهة السورية ، فقبل الحرب بأسبوعين خطفت المقاومة الفلسطينية بأوامر من سوريا قطارا ينقل المهاجرين اليهود القادمين من روسيا إلى معسكر شنواة بالنمسا وكان ذلك بغرض توجيه أنظار إسرائيل السياسية إلى النمسا وليس لمايجرى على الجبهتين المصرية والسورية وهو ماحدث فعلا حيث سافرت جولدا مائير إلى النمسا لمناقشة الحادث.
وبعدها ضحت سوريا ب 15 طائرة سقطت فى البحر الأبيض المتوسط بعد معركه جوية شرسة مع الطيران الإسرائيلى تحلت فيها سوريا بضبط النفس إلى أقصى درجة حتى لا تطلق صاروخا واحدا ضد الطائرات الإسرائيلية فتكتشف إسرائيل فاعلية هذه الصواريخ قبل المعركه الكبرى حرب أكتوبر) التى جرت بعدها بعشرة أيام
وللاقتراب أكثر من تفاصيل خطة الخداع ، كشف اللواء فؤاد نصار الذى كان مديرا للمخابرات العسكرية في الفترة من عام 72 ـ 1976 فى حوار لجريدة الأهرام العربي أن المصري البسيط كان له دور رئيسى في الحرب من ناحيتين, الأولي في أعمال المخابرات, والثانية في الحرب نفسها, وعندما أدرك الإسرائيليون مدي التفوق المصري عليهم, سئل موشي ديان وزير الحرب الإسرائيلى عن هذا التفوق, وهوجم بشدة لأنه لم يعرف مدي التطور المصري في هذا المجال, نظرا لأن مصر لم تكن لها قدرات استخبارية كبيرة, ولا قوات استطلاع أو تعاون مع بقية أجهزة الاستخبارات الأخري, فكان رد ديان: أن المصريين ملأوا سيناء برادارات بشرية ذات عيون تري وعقول تفكر ثم تعطي المعلومة .
وفى الحقيقة والحديث للواء نصار كان كلام ديان صحيحا ، قائلا : من خلال هذه الروح المصرية البسيطة استطعنا أن نرصد كل سكنات وحركات العدو.فعندما توليت مدير المخابرات العسكرية, لم تكن هناك إمكانات كبيرة ولا تقنيات تعطينا معلومة دقيقة, فلم يكن أمامي إلا إنشاء قاعدة بشرية فأسست منظمة سيناء وأحضرت أحد أبناء مشايخ القبائل, وأعطيته رتبة عقيد وطلبت منه تجنيد أكبر قدر ممكن من البدو للعمل في منظمة سيناء, ثم أنشأت فرق متطوعين من الجيش, وكان لكل متطوع عمل معين, وبعد أن دربناهم علي تصوير المواقع, التي كنا نريد أن نعرف عنها كل شئ, جعلناه يعبرون القناة إلي الجهة الأخري, ليكونوا تحت رعاية أحد البدو, ومن خلال ذلك استطعنا أن نغطي سيناء كلها بعيوننا, وكان كل واحد من هولاء المجندين يمكث أربعة أشهر, ثم يعود نهائيا إلي الحياة المدنية, وقد أنهي خدمته العسكرية بعد هذه الفترة في سيناء, ويتم تكريمه ولا يطلب شيئا لنفسه, لكن أطرف ماقابلني من إحدي هذه المجموعات البشرية, أنهم طلبوا أن يتم تكريمهم فقط بالتصوير معي ومع اللواء أحمد إسماعيل رئيس المخابرات آنذاك ومازلت محتفظا بهذه الصور
واستطرد اللواء نصار يقول : ولم يكن الرجال وحدهم الذين أسهموا في الحرب فقط, بل تلقينا مساعدات كبيرة من النساء, وكان لهن دور كبير في إدارة الصراع مع العدو, فكانت هناك متطوعات قدمن إلينا معلومات شديدة الأهمية, انعكست علي سير القتال عندما اندلعت الحرب, لكنني أريد أن أشير إلي بطولة المجموعة(39) وهي مجموعة قتالية, عبرت إلي الضفة الأخري عقب حرب1967 لنسف مخازن الأسلحة والذخيرة, التي تركها الجيش المصري, وقد عبرت هذه المجموعة القناة 39 مرة بقيادة الشهيد ابراهيم الرفاعي وكان لها دور كبير في تقليل خسائر معركة 67 .
وعن التعاون السري مع الجانب السوري في الحرب, ولماذا لم يكشف هذا التعاون ، قال اللواء نصار : لاشك أن التعاون مع السوريين كان من العوامل الرئيسية في نجاح الحرب علي الجبهتين, ونحن كقيادة عامة للقوات المسلحة, لم نعلم بقرار الحرب إلا قبل اشتعالها بخمسة عشر يوما, وكان ذلك من أجل السرية والمفاجأة ، وقد جاءت القيادة السورية إلي الاسكندرية واجتمعنا معا وحددنا ثلاثة تواريخ وكان شهر أكتوبر أفضلها, فقد كنا نواجه جهاز مخابرات قويا, ويعد نفسه ثالث جهاز في العالم, ولم تكن لنا نفس إمكاناته, لكننا نجحنا مع ذلك فى إقناعه بأننا لانريد الحرب, ومن هنا كانت مفاجأته وهزيمته في الحرب.
وكشف اللواء نصار عن نموذج لنجاحات المخابرات المصرية خلال الحرب ، وهى القصة الحقيقية للفيلم السينمائى الصعود إلي الهاوية ، وقال في هذا الصدد ( إننا كنا نراقب الخطابات, فوجدنا خطابا مكتوبا بالحبر السري, وبه أسرار خطيرة عن الجيش, وكانت مذهلة وحقيقية, فذهبت إلي وزير الحربية الفريق أحمد إسماعيل , وقلت له: إنك ستوضع تحت المراقبة, لأن هذه المعلومات صحيحة وخطيرة , وأنت من الذين يعرفونها, فاندهش ووافق علي المراقبة, وبالفعل وضع الفريق أحمد إسماعيل وجميع من يعرفون هذه المعلومات تحت المراقبة حتي اكتشفنا أن الجاسوس الحقيقي كان أحد ضباط الصاعقة, واتضح أنه كان علي علاقة بفتاة مصرية تعيش في فرنسا, واستطعنا القبض عليها, وتدعي هدي, وكذلك القبض علي الضابط, وكانا لا يصدقان أننا سنحارب, خاصة أن هذا الضابط كان مدمنا للخمر, وكان لا يعتقد أن الحرب ستشن ضد إسرائيل
وبعد فشله في قصة حب, جندته حبيبته السابقة, التي رفض أهلها زواجها منه, وبعد أن سافرت إلي باريس, جندت هناك, وجندته بعد ذلك, وكان في موقع يتيح له رؤية الأهداف المصرية. بل كان مهندس المشروع- حسب قول قائد الصاعقة آنذاك- وكانت تلك مفاجأه لنا, لكننا في النهاية استطعنا أن نقبض عليها عن طريق والد الفتاة, الذي كان يعمل مدرسا في ليبيا, وذهبنا إليه, وأقنعناه بأن هناك خطف طائرات وابنته تورطت في ذلك, وهناك خطورة علي حياتها وعلي الوضع الأمني المصري, وكان رجلا طيبا ومتعاونا, وسألنا: ماذا تريدون مني؟ فقلنا له: ارسل خطابا إلي هدي واشرح فيه وضعك الصحي المتدهور, وأنك علي حافة الموت خلال أربعه أيام, وترغب في رؤيتها, ففوجئنا بفريق طبي في طائرة مجهزة يأتي إلي المستشفي ويريد أن يعالجه في فرنسا, فأبلغنا الأطباء بأن يزعموا بأنه علي حافة الموت , ولم يبق في حياته أكثر من 48 ساعة, وعاد الفريق إلي باريس دون رؤيته.
وفي اليوم التالي جاءت هدي, بعد أن أخرنا الطائرة في باريس, وعندما هبطت إلي المطار في ليبيا, أخذناها إلي القاهرة, ومكثت مع ضابط الصاعقة في مبني المخابرات العامة, ولم يدخلا السجن, وأخذا يرسلان إلي إسرائيل بمعلومات نود نحن أن نخدع بها إسرائيل, وبالفعل استطاعا أن ينجزا المهمة, وخدما النصر الذي تحقق, وتم إعدامهما بعد الحرب ).
عنصر المفاجأة
الطريقة التى بدأت بها الحرب كانت صدمة مروعة لقادة إسرائيل ، وهذا بالطبع يرجع لبراعة التخطيط المصرى .
شهادة المناوى
كشف اللواء صلاح المناوي رئيس عمليات القوات الجوية المصرية خلال حرب أكتوبر فى تصريحات لجريدة العربى الناصرى فى 5 أكتوبر 2003 ، أن خطة الحرب بدأ الإعداد لها بعد قرار الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بإعادة بناء القوات المسلحة وكان الهدف الأساسي في خطة استعادة الكرامة هو إعادة الروح المعنوية لدي القوات المسلحة المصرية والتغلب علي أجهزة الرادار الإسرائيلية ، مشيرا إلى أنه فكر في طريقة لإقناع القادة السياسيين والعسكريين بالطيران المنخفض واستخدامه في الحرب فأثناء إحدي زيارات مسئول كبير للجبهة أمر أربع طائرات بالطيران فوق منصة العرض مباشرة ولم يصدق المسئول الكبير نفسه عندما شاهد براعة الطيارين المصريين وكانت هذه الخطة سببا في تغلب الطائرات المصرية علي الرادار الإسرائيلي فلم يستطع الرادار الصهيوني كشف الطائرات المصرية يوم العبور إلا بعد وصولها .
وأكد أن القوات الجوية المصرية نجحت في أول ضربة في تدمير مراكز القيادة والمطارات وأجهزة الشوشرة وأن الطائرات المصرية 220 طائرة نجحت في إنهاء الحرب بالنسبة للعدو الصهيوني في عشر دقائق فقط مما ساعد القوات المسلحة المصرية في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف ، مشيرا إلى أن القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية ألغت الطلعة الجوية الثانية بعد تدمير قوات العدو في الضربة الأولي.
وشدد اللواء صلاح المناوي الحاصل علي وسام نجمة سيناء ونوط الشجاعة ووسام الجمهورية من الطبقة الأولي على أن خطة الخداع المصرية كانت لها أكبر الأثر في تحقيق النصر وتضليل العدو الإسرائيلي رغم جواسيسه المنتشرين في كل مكان .
وأشار في هذا الصدد إلى أن الرئيس حسني مبارك قائد القوات الجوية في الحرب أمر بتجهيز طائرته وأبلغ الجميع بذهابه إلي ليبيا في زيارة وكذلك كان الأمر في القوات المسلحة بالإعلان عن عمرة رمضان للضباط أما السادات فأعلن عن استقباله لمسئول كبير من انجلترا يوم 6 أكتوبر.
شهادة الجمسى
فى مذكراته عن حرب أكتوبر ، يقول الفريق محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة العمليات خلال الحرب ( كانت الأوامر والخطة أن الطيران المصري هو الذي سوف يفتح لنا باب العبور فى تمام الساعة الثانية من بعد ظهر يوم 6 أكتوبر، وفى هذا اليوم عبرت نحو 222 طائرة خط جبهة قناة السويس متجهة إلى عدة أهداف إسرائيلية محددة فى سيناء . وأحدث عبور قواتنا الجوية خط القناة بهذا الحشد الكبير ، وهى تطير على ارتفاع منخفض جدا ، أثره الكبير على قواتنا البرية بالجبهة وعلى قوات العدو . فقد التهبت مشاعر قوات الجبهة بالحماس والثقة بينما دب الذعر والهلع فى نفوس أفراد العدو .
هاجمت طائراتنا ثلاث قواعد ومطارات ، وعشرة مواقع صواريخ مضادة للطائرات من طراز هوك ، وثلاثة مراكز قيادة ، وعدد من محطات الرادار ومرابض المدفعية بعيدة المدى ، وكانت مهاجمة جميع الأهداف المعادية فى سيناء تتم فى وقت واحد ، حيث كانت الطائرات تقلع من المطارات والقواعد الجوية المختلفة وتطير على ارتفاعات منخفضة جدا فى خطوط طيران مختلفة لتصل كلها إلى أهدافها فى الوقت المحدد لها تماما.
كانت قلوبنا فى مركز عمليات القوات المسلحة تتجه إلى القوات الجوية ننتظر منها نتائج الضربة الجوية الأولى ، وننتظر عودة الطائرات إلى قواعدها لتكون مستعدة للمهام التالية ، كما كان دعاؤنا للطيارين بالتوفيق ، وأن تكون خسائرهم أقل ما يمكن ، لأن مثل هذه الضربة الجوية بهذا العدد الكبير من الطائرات ضد أهداف هامة للعدو تحت حماية الدفاع الجوى المعادى ، ينتظر أن يترتب عليها خسائر كثيرة فى الطيارين والطائرات يصعب تعويضها.
لقد حققت قواتنا الجوية بقيادة اللواء طيار محمد حسنى مبارك ـ رئيس الجمهورية الحالى ـ نجاحا كبيرا فى توجيه هذه الضربة ، وبأقل الخسائر التى وصلت فى الطائرات إلى خمس طائرات فقط ، وهى نسبة من الخسائر أقل جدا مما توقعه الكثيرون ) .
وفى كتاب له بعنوان المعارك الحربية على الجبهة المصرية ، يذكر المؤرخ العسكرى المصرى جمال حماد ( فى الساعة التاسعة والنصف صباح يوم 6 أكتوبر دعا اللواء محمد حسنى مبارك قادة القوات الجوية إلى اجتماع عاجل فى مقر قيادته وألقى عليهم التلقين النهائى لمهمة الطيران المصرى ، وطلب منهم التوجه إلى مركز العمليات الرئيسى كى يأخذ كل منهم مكانه هناك استعداد لتنفيذ الضربة الجوية المنتظرة التى كان نجاحها يعنى نجاح خطة المفاجأة المصرية وبدء معركة التحرير .
وفى الساعة الثانية من بعد ظهر السادس من أكتوبر أنطلقت أكثر من 200 طائرة مصرية من 20 مطارا وقاعدة جوية فى مختلف أرجاء أنحاء الجمهورية وعن طريق الترتيبات الدقيقة والحسابات المحكمة التى أجرتها قيادة القوات الجوية تم لهذا العدد الضخم من الطائرات عبور خط المواجهة على القناة فى لحظة واحدة على ارتفاعات منخفضة جدا ، وكانت أسراب المقاتلات القاذفة والقاذفات المتوسطة تطير فى حماية أسراب المقاتلات ، وقد استخدمت فى الضربة التى تركزت على الأهداف الإسرائيلية الحيوية فى عمق سيناء طائرات طراز ميج 17 وميج 21 وسوخوى 7 وسوخوى 20 ، وفى الساعة الثانية وعشرين دقيقة عادت الطائرات المصرية بعد أداء مهمتها خلال ممرات جوية محددة تم الاتفاق عليها بين قيادة القوات الجوية وقيادة الدفاع الجوى من حيث الوقت والإرتفاع .
هذا وقد نجحت الضربة الجوية فى تحقيق أهدافها بنسبة 90 % ولم تزد الخسائر على 5 طائرات مصرية ، وكانت نتائج الضربة وفقا لما ورد فى المراجع الموثوق بصدقها هى شل ثلاثة ممرات رئيسية فى مطارى المليز وبير تمادا بالإضافة إلى ثلاث ممرات فرعية وإسكات حوالى 10 مواقع بطاريات صواريخ أرض جو من طراز هوك وموقعى مدفعية ميدان ، وتدمير مركز القيادة الرئيسى فى أم مرجم ومركز الإعاقة والشوشرة فى أم خشيب وتدمير إسكات عدد من مراكز الإرسال الرئيسية ومواقع الرادار وقد اشتركت بعض القاذفات التكتيكية ( إل 28 ) فى الضربة الجوية وركزت قصفها على حصن بودابست الإسرائيلى ( من حصون بارليف ، ويقع على الضفة الرملية شرق مدينة بور فؤاد).
وكان من المقرر القيام بضربة جوية ثانية ضد العدو يوم السادس من أكتوبر قبل الغروب ، ولكن نظرا لنجاح الضربة الأول فى تحقيق كل المهام التى أسندت إلى القوات الجوية لذا قررت القيادة العامة إلغاء الضربة الثانية.
وقد اضطرت القيادة الإسرائيلية الجنوبية فى سيناء إلى استخدام مركز القيادة الخلفى بعد ضرب المركز الرئيسى فى أم مرجم ، كما أصبح مركز الإعاقة والشوشرة فى العريش هو المركز الوحيد المتبقى لإسرائيل فى سيناء بعد تدمير مركز الإعاقة والشوشرة فى أم خشيب).
شهادة أبو الحسن
المقاتل الفذ علي أبو الحسن أحد أبطال المجموعة 39 قتال والذي شارك في 44 عملية خلف خطوط العدو في حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، ذكر فى أحد تصريحاته : يوم 5 أكتوبر 1973 جاءت لنا أوامر بالنزول إلي مياه القناة وسد فتحات أنابيب النابالم التي وضعها اليهود تحت مياه القناة لإشعال سطح القناة في حالة محاولة المصريين العبور، وكان الاستطلاع قد أحضر خرائط توزيع فتحات المواسير ونزلنا بالفعل إلي القناة وقمنا بسد فتحات الأنابيب بخلطة أسمنت سريعة التجمد في الماء وذلك في المنطقة التي كنا نعمل فيها وقامت وحدات أخري من الجيش بسد باقي الفتحات في مناطق أخرى، وكانت الأوامر في هذا اليوم صارمة بعدم الاشتباك مع اليهود حتى لو كان أمامنا ألف يهودي بإمكاننا قتلهم .
شهادة حفظى
أما اللواء علي حفظي قائد قوات الاستطلاع في حرب 73 ، فأشار إلى أن قوات الاستطلاع نجحت في إعطاء القوات المسلحة المصرية صورة كاملة عن العدو الصهيوني ونقاطه الحصينة وأماكن تجمعه ومطاراته وأسلحته وأنواعها وعدد جنوده وأوقات راحتهم حتي إن كل جندي مصري شارك في الحرب كان لديه صورة كاملة عن أهدافه وعد جنود العدو فيها.
وأضاف اللواء حفظي أن قوات الجيش المصري كانت في مشروع تدريبي قبل الحرب بأسبوع ولم يعرف الكثير ميعاد الحرب ولكنهم فوجئوا بأن المشروع تحول لحرب حقيقية ، وأكد أن عناصر الاستطلاع المصرية نجحت في عبور قناة السويس قبل الحرب واندفعت مئات الكيلو مترات داخل مواقع العدو وقامت بتطوير أجهزتها اللاسلكية بحيث أصبحت عيونا لا تنام للجيش المصري ، موضحا أن بعض هؤلاء الرجال ظلوا يعملون داخل مواقع العدو لفترة 6 أشهر بعد الحرب.
شهادة عبد الواحد
وفي السياق ذاته ، يؤكد اللواء صادق عبد الواحد أحد قادة حرب أكتوبر أن القوات المسلحة المصرية تحولت أثناء العبور إلي قنابل موقوتة موجهة ضد العدو حتي إن الجندي المصري الذي كانت تنفد ذخيرته كان يرفض الانسحاب ويقتل الإسرائيليين بيده للاستيلاء علي سلاحهم ، والجندي المصاب كان يبكي لأنه سوف يحرم من الاستمرار في المشاركة في القتال ، مؤكدا أن رجال الصاعقة تسابقوا في عبور القناة وتعطيل أنابيب النابالم.
شهادة نصار
وعن مفاجأة العبور العظيم ، قال اللواء فؤاد نصار مدير المخابرات العسكرية خلال الحرب أيضا : لقد قاتل المصريون في حرب1973 بأجسادهم العارية, وحملوا الأسلحة والذخائر علي ظهورهم وعبروا القناة وحطموا خط بارليف, وقاوموا الدبابات بأسلحة صغيرة, الأمر الذي دفع الاسرائيليين إلي التأكيد علي أن مفاجأة الحرب الحقيقية كانت في المقاتلين المصريين, وليس فى موعد الحرب .
وأضاف قائلا : لقد كنا في شهر رمضان, وكان الإسرائيليون يضعون مواسير نابالم تحت مياه القناة , تحرق أى شخص يحاول العبور, وكنا قد استطعنا أن نعرف أماكن هذه المواسير بدقة, وقمنا بسدها تماما, وتخيل مدى القلق الرهيب, الذى كان يعتريني شخصيا, خوفا من ألا تكون الفرقة المكلفة بذلك, قد نجحت فى سد الفتحات, إضافة إلي الضربة الجوية, وهل ستنجح أم لا, فكان عليها عامل كبير في إنجاح الحرب, لم أنم في هذين اليومين, ولم تغفل عيني حتي بعد أن عرفت أننا نجحنا في العبور.
وكشف في تصريح لجريدة الأهرام العربى في أغسطس 2007 عن سر لم يعرفه أحد خلال الحرب ، قائلا : بعد وقوع الثغرة جاءتنى معلومة خطيرة, وهي أن موشى ديان موجود في الإسماعيلية, فذهبت إلي الرئيس السادات وأخبرته بذلك, فقال لي: هل تعرف مكانه؟ قلت: بكل دقة, أي في مسافه ثلاثة أمتار في ثلاثة , فأمر الرئيس بضرب المكان وشوهد المكان وهو يحترق, وديان في القلب منه, انتظرنا خبر وفاة ديان, لكنه لم يحدث, وفي اليوم التالي جاءتنى صورة لديان, وهو صاعد فوق نخلة في حاله فزع, فضحكت وأخبرت الرئيس السادات وقلت له: إن الله لايريد لديان أن يموت حتي يشاهد جيشه مهزوما.
ويتضح مما سبق أن غطرسة القوة الإسرائيلية تهاوت كالهشيم أمام قوة وبراعة مفاجآت المصريين فى حرب أكتوبر .